العلامة المجلسي
233
بحار الأنوار
أظهر من الباطل ولا أكثر من الكذب على الله ورسوله ، وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ، ولا أنفق منه إذا حرف عن مواضعه ، ولا في البلاد شئ أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر ، فقد نبذ الكتاب حملته وتناساه حفظته ، فالكتاب يومئذ وأهله منفيان طريدان ، وصاحبان مصطحبان في طريق واحد ، لا يؤويهما مؤو ، فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس وليسا فيهم ، ومعهم وليسا معهم ، لأن الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا . واجتمع القوم على الفرقة وافترقوا عن الجماعة ، كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم ، فلم يبق عندهم منه إلا اسمه ولا يعرفون إلا خطه وزبره . ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة ، وسموا صدقهم على الله فرية وجعلوا في الحسنة عقوبة السيئة . وإنما هلك من كان قبلكم بطول آمالهم وتغيب آجالهم ، حتى نزل بهم الموعود الذي ترد عنه المعذرة ، وترفع عنه التوبة ، وتحل معه القارعة والنقمة . أيها الناس ! إنه من استنصح الله وفق ، ومن اتخذ قوله دليلا هدي للتي هي أقوم ، فإن جار الله آمن وعدوه خائف . وإنه لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظم ، فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمته أن يتواضعوا له ، وسلامة الذين يعلمون ما قدرته أن يستسلموا له ، فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الأجرب والباري من ذي السقم . واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه ، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه ، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه . فالتمسوا ذلك من عند أهله فإنهم عيش العلم وموت الجهل ، هم الذين